ابن عجيبة
37
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
أولا ، بما يعصم من الفتنة ، ويبعد عن مواقعة المعصية ، وهو غض البصر ، ثم بالنكاح المحصّن للدين ، المغني عن الحرام ، ثم بعزف النفس الأمارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة ، عند العجز عن النكاح ، إلى أن يقدر عليه . وباللّه التوفيق . الإشارة : الأرواح والقلوب والنفوس لا يظهر نتاجها حتى ينعقد النكاح بينها وبين شيخ كامل ، فإذا انعقدت الصحبة بينها وبين الشيخ ، قذف نطفة المعرفة في الروح أو القلب أو النفس ، ثم يربيها في مشيمة الهمّة ، ثم في حضانة الحفظ والرعاية ، فيظهر منها نتاج اليقين والعلوم والأسرار والمعارف ، وأما إن بقيت أيامى ؛ لازوح لها ، فلا مطمع في نتاجها ، قال تعالى : وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ ، وهي الأرواح ، والصالحين من قلوبكم ، ونفوسكم ، إن يكونوا فقراء ؛ من اليقين ، والمعرفة باللّه ، يغنهم اللّه من فضله ؛ بمعرفته ، واللّه واسع عليم ، وليتعفف ، عن المناكر ، الذين لا يجدون من يأخذ بيدهم ، حتى يغنيهم اللّه من فضله ؛ بالسقوط على شيخ كامل ؛ فإنه من فضل اللّه ومنته ، لا يسقط عليه إلا من اضطرّ إليه ، وصدق الطلب في الوصول إليه . وباللّه التوفيق . ولما أمر بتزوج العبيد ، أمر بمكاتبتهم ، فقال : . . . وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ . . . قلت : الكتاب هنا : مصدر ، بمعنى الكتابة . وهي : مقاطعة العبد على مال منجّم ، فإذا أداه ؛ خرج حرا ، وإن عجز ، ولو عن نصف درهم ، بقي رقيقا . يقول الحق جل جلاله : وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ أي : والمماليك الذين يطلبون الكتابة مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ؛ من عبيدكم فَكاتِبُوهُمْ ، والأمر للندب ، عند مالك والجمهور ، وقال الظاهرية وغيرهم : على الوجوب ، وهو ظاهر قول عمر رضي اللّه عنه لأنس بن مالك ، حين سأله مملوكه سيرين الكتابة ، فأبى عليه أنس ، فقال له عمر : لتكاتبنه ، أو لأوجعنّك بالدّرّة « 1 » . وإنما حمله مالك على الندب ؛ لأن الكتابة كالبيع ، فكما لا يجبر على البيع لا يجبر عليها .
--> ( 1 ) أخرجه عبد الرزّاق في المصنف ( 8 / 372 ح 15578 ) ، والطبري ( 18 / 126 ) .